محمد بن زكريا الرازي

مقدمة 10

رسائل فلسفية ( الرسائل الفلسفية )

وسبب هذا الغلط كله كون هذا الجاهل وأمثاله من الجمهور لا يعتبر الوجود إلا بشخص إنسان لا غير . ويتخيل كل جاهل أن الوجود كله من أجل شخصه وكأن ليس ثم وجود إلا هو فقط . فإن جاءه الأمر بخلاف ما يريد ، قطع قطعا أن الوجود كله شر . . . " « 2 » والآن ينسج محمد عابد الجابري على النول نفسه ، فيقول : " . . . هذه النزعة الهرمسية ، بل هذا العقل المستقيل ذاته ، نجده أيضا عند أكبر طبيب في الإسلام أبي بكر بن زكريا الرازي . أي نعم . الرازي العظيم كان يصدر هو كذلك عن " العقل المستقيل " ! والواقع أنه يجب التمييز في الرازي : . . . بين الطبيب الماهر " المجرب " وبين الفيلسوف اللاعقلاني وهذا ما سبق إليه صاعد الأندلسي . . . " « 3 » لكن ها هو عبد الرحمن بدوي يتحدث عن شخصية من " أكبر الشخصيات في الحياة الفكرية الإسلامية على مرّ عصورها ، ونعني بها أبا بكر محمد بن زكريا الرازي . الرازي ، طبيبا وكيميائيا من الطراز الأول ، معروف جيدا للجميع بفضل الدراسات العديدة التي كتبت عنه . من هذه الناحية ( راجع خصوصا ج . س . أ . رانكنج : " حياة الرازي ومؤلفاته " ، المؤتمر الدولي الطبي السابع عشر ، لندن سنة 1913 ، قسم 3 ، لندن 914 ثم كتب تاريخ الطب العربي : فستنفلد ولوكلير الخ . . . ) . أما الرازي الفيلسوف فقد بدأت الدراسات عنه متأخرة ، فكانت أولى الدراسات الجدية في هذا الباب ما كتبه شيدر عنه في مقاله " مذهب المسلمين في الإنسان الكامل " ( راجع ه . ه شيدر في " مجلة الجمعية المشرقية الألمانية " ZDMG ج 79 ( سنة 1925 ) ص 228 - 235 ) ؛ ثم كانت الدراسة التفصيلية لفلسفة الرازي الطبيعية التي كتبها الأستاذ سالومون بينس في كتابه القيّم " نظرية الجوهر الفرد عند المسلمين " ( الكتاب طبعة برلين سنة 1936 ص 34 - 93 ) فجاءت أوفى ما كتب عنه حتى اليوم . أما فلسفته الأخلاقية وفلسفته العامة في الوجود فلم تكن حتى اليوم موضع دراسة شاملة ؛ وقد كان هذا طبيعيا ما دامت النصوص الخاصة بهذه الفلسفة لم تنشر بعد . بيد أن المرحوم الدكتور كراوس وجه عنايته إلى الرازي من هذه الناحية خصوصا ، وبدأ ينشر آثاره الفلسفية في مجلة شرقيات Orientalia ثم جمعها أخيرا في كتاب كان منتظرا في جزئين على الأقل ، ولكن لم يصدر منه إلا الجزء الأول ، وحال

--> ( 2 ) موسى بن ميمون : " دلالة الحائرين " . عارضه بأصوله العربية والعبرية دكتور حسين أتاي . القاهرة ( د . ت ) ص : 496 ، 497 . ( 3 ) - محمد عابد الجابري : " تكوين العقل العربي " ط 3 - بيروت 1988 ص : 179 .